الشيخ عبد الغني النابلسي

40

كتاب الوجود

وكذلك لو كان اللّه تعالى هو مجموع الوجود في القيود والحدود أو بعضها ؛ لأنه يكون مخلوقا ، وهو محال أن يكون الخالق مخلوقا ، فتعين بالضرورة أن يكون اللّه تعالى هو الوجود كما نقول ، وليس الوجود بمخلوق « 1 » ولا وصف لمخلوق أيضا ؛ لأن الوصف تابع للموصوف ، والوجود كل شئ تابع له لا هو تابع لشئ ؛ لأن به صار الشيء شيئا ، وإنما العقل والحس في أهل القصور يحكمان بأنه وصف للمخلوق على طريق غلبة الوهم ، فإذا تفطنا رجعنا عن ذلك ، واللّه الموفق للصواب . وصل : اعلم أنه لو كان هناك وجود حادث خلقه اللّه تعالى وصفا للأشياء المعقولة والمحسوسة ، أو غير وصف لها ، لزم أن تقوم الأشياء المعقولة والمحسوسة بذلك الوجود الحادث ، الذي خلقه اللّه تعالى لها ، ونستغني بقيامها به عن قيومها بالوجود القديم - سبحانه وتعالى - واستغناء الأشياء المحسوسة والمعقولة عن قيامها بالوجود القديم « 2 » مستحيل باطل . فليس هناك وجود حادث تقوم به الأشياء أو يقوم بالأشياء ؛ إذ لا يصح أن يقوم الوجود بالعدم ، فإن الأشياء قبل اتصافها بصفة الوجود عدم ، فلو قام الوجود بها يقام بالعدم ، كما أنه لو قامت هي بوجودها لاستغنت عن قيامها بالوجود القديم وحده هو القائم بنفسه القيوم « 3 » على جميع الأشياء المحسوسة والمعقولة ، واللّه على كل شيء قدير .

--> ( 1 ) إن التفرقة بين الحق والخلق هي تفرقة اعتبارية محضة ، فالوجود واحد هو الحق الذي يتجلى في لحظة فيما لا يحصى عدده من الصور . إذن إن الخلق في تغير دائم مستمر ، أو على الدوام في خلق جديد ؛ بمعنى أن التجلي الدائم لم يزل ولا يزال ظاهرا في كل آن في صور الكائنات ، وهذا الظهور مع كثرته ودوامه لا يتكرر أبدا ؛ فالمخلوقات في كل لحظة تفنى ؛ أي تذهب صورتها لتظهر مثليتها في اللحظة التالية ، ويجب ألا أن نقول بوجود فاصل أو انفصال زمني . ( المرجع السابق ( 58 ) . ( 2 ) انظر ما سيأتي بعد هذا . ( 3 ) الوجود الإلهى ليس في حاجة إلى إقامة الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على إثبات وجوده ؛ إذ كيف يحق لك أن تستدل على الوجود من خلال الوجود ذاته ؟ كيف تستند إلى الذات الإلهية في البرهنة على الذات الإلهية نفسها ؟ إنه لا يصح لك - منطقيّا على الأقل - أن تسعى إلى الوصول إلى نتيجة جعلتها أنت مقدمة في قياس أو استدلال . [ المرجع السابق ( 42 ) ] .